توفى إلى رحمة الله تعالى الأستاذ الدكتور محمد هاشم عبد البارى يوم 5 يناير نسألكم الدعاء له بالرحمه والمغفرة

الجمعة، 26 يونيو 2015

من ذكريات حرب أكتوبر

من ذكريات حرب أكتوبر

بسم الله الرحمن الرحيم

معمعة الحرب..وزعزعة العقيدة

بقلم الأستاذ الدكتور محمد هاشم عبد الباري

^^^^^^^

في سلاح مدفعية الميدان ، الذي كان أبرز أسلحة القوات المسلحة المصرية القتالية في حرب الاستنزاف، وكان من أبرز الأسلحة في حرب العاشر من رمضان، عادة لا ترى قطع المدفعية أهدافها ولا تراها أهدافها. فقد تبعد تلك الأهداف عشرات الكيلومترات عن قطع المدفعية الضاربة. لذلك فان كتيبة المدفعية تنقسم إلى عدة سرايا، والسرية بدورها تتضمّن 6-8 مدافع تبعا لطراز المدافع. وكل سرية تنقسم إلى جزأين: الأول هو مربض النيران الذي يتألف من المدافع ومعها مخزونها من الذخيرة، ومركبة مجهزة بالأدوات والأجهزة، والثاني هو مركز إدارة النيران يقوده ضابط، وقد يكون معه ضابط آخر، ومجموعة من الجنود المدربين على أعلى مستوى ومعهم أجهزة وأدوات بصرية وجهاز لاسلكي لإصدار الإحداثيات والأوامر لمربض النيران.
قد يبعد مركز إدارة النيران عن مربض النيران عدة كيلومترات، قد تصل إلى العشرين أو أكثر. مركز إدارة النيران هو الذي يكون في مواجهة العدو ولكنّ مربض النيران يكون بعيدا في الخلف. قد تبعد الأهداف عن مركز إدارة النيران عدة كيلومترات وقد تكون قريبة جدا منه. وقد يتم إدارة نيران المدفعية الثقيلة بالطائرات.

ضباط المدفعية يكونون على كفاءة عالية في الرياضيات، لأن كل أعمالهم سواء في مرابض النيران أو في مراكز إدارة النيران تقوم على الحساب بالغ السرعة للإحداثيات والزوايا وتقدير المسافات واستخدام القوانين الرياضية. كل من يعمل من الجنود وصف الضباط في مركز إدارة النيران يجب أن يكون على كفاءة عالية في استخدام القوانين الرياضية. كذلك هناك عدد كبير من الجنود في مرابض النيران يكونون على نفس الكفاءة. سواء في حرب الاستنزاف أو في حرب العاشر من رمضان كنت أقوم بواجبي في الخدمة في مراكز إدارة النيران أو في مرابض المدفعية.

مدفعية الميدان المصرية والمدفعي المصري يتميز عن غيره على مستوى العالم كله. وكان العدو الاسرائيلى يعمل مليون حساب للمدفعية المصرية ويهابها، فهي تسبب له الرهبة والخوف والذعر. لذلك لم يتحملوا القصف المدفعي المصري طوال حرب الاستنزاف، وافتعلوا مبادرة روجرز الأمريكية لمساعدتهم لوقف تلك الحرب التي كبدتهم الكثير من الخسائر الفادحة في الأرواح والمعدات.

تعتبر مرابض نيران مدفعية الميدان الثقيلة هي أثمن الأهداف بالنسبة للطيران الاسرائيلى. وكما قلت فان مرابض النيران لاترى أهدافها، وإنما الأهداف يراها مركز إدارة النيران المتقدم والذي يوجّه نيران المدافع لتصبها على الهدف من بعد. ومن ناحية أخرى فان قطع المدفعية الثقيلة نفسها لا تستطيع أن تدافع عن نفسها بنفسها لأنها غير معدّة لذلك. فمدفعية الميدان لا توجّه للدبابات مثلا ولا تصوّب لها مباشرة، ولا توجّه لضرب الطائرات. فتدافع عنها الصواريخ والمدفعية المضادين للطائرات فضلا عن أنّ الأفراد يحملون قواذف "ألآر. بى. جى." المضادة للدبابات والمركبات والدروع. ولكن هناك مدفعية متخصصة مضادة للدبابات ومدفعية متخصصة مضادة للطائرات.

كنت أتقلب خلال أيام حرب العاشر من رمضان بين مراكز إدارة النيران ومرابض المدفعية. في مدفعية الميدان يجب أن تغطس المدافع تحت مستوى الأرض. لذلك فإننا حيثما حللنا بمدافعنا ووقتما حللنا ينبغي تغطيس المدافع فلا تظهر فوق سطح الأرض. وفضلا عن ذلك يجب أن يحفر كل فرد حفرة برميلية في الأرض ينزل فيها أثناء غارات الطيران. وهكذا فان ضابط المدفعية وجندي المدفعية يجب أن يكون ماهرا في الرياضيات وفى الوقت نفسه يكون شديدا قويا جلدا لأن من مهامه الحفر باستمرار والتعامل مع المدافع يحتاج إلى القوة البدنية وقوة العزيمة.

يوما– بعد العبور والاستيلاء على حصون بارليف بعدة أيام - كان طيران العدو كثيفا جدا، وهاجم مربض النيران الذي كنت أقصف منه. هاجمنا وحدنا بسرب ضخم أقام به ساقية في السماء عمودية على موقعنا. تدور الطائرات في تلك الساقية من أعلى إلى أسفل وعند هبوطها على الموقع تقصفنا بالصواريخ وبقنابل الألف رطل ثم تصعد في الجو.

قنبلة الألف رطل فضلا عن الضغط الهائل الذي تحدثه والتفريغ الهائل الذي يعقبه والشظايا والنيران، كانت تخلخل الأرض مخلفة حفرة لايقل قطرها عن 7 أمتار ولا يقل عمقها عن أربعة أمتار. كثيرا ما كانت قنابل الألف رطل التي يلقيها علينا طيران العدوّ تمسح الحفر البرميلية التي كنا نحفرها لأنفسنا للنزول فيها أثناء الغارات. كل فرد يعرف حفرته البرميلية التي يلجأ إليها أثناء غارات طيران العدو. لذلك حينما كانت حفر الأفراد تدخل في نطاق حفر قنابل الألف رطل كنا نربت على كتف أصحابها الذين لم يكونوا فيها ونقول أنتم المفروض الآن شهداء!! تمسح القنابل والصواريخ حفر الأفراد ، ويحفر الأفراد حفرا لهم غيرها!! وهكذا.

في ذلك اليوم وفى تلك الغارة أزالت قنبلة ألف رطل حفرتي. لجأت إلى حفرة ضابط زميل وانحشرنا نحن الاثنين في حفرته. كانت غارة طيران العدو قد استمرت نحو نصف الساعة. تهبط الطائرة وتنقضّ على الموقع وتطلق الصاروخ أو القنبلة الألف رطل. ثم تصعد في السماء في دائرة لتهبط وتقصف مرة أخرى. وهكذا كانت تفعل بقية طائرات السرب المغير على التوالي. لن تصدّق. نصف ساعة من القصف الشديد المركز من سرب كامل على موقع مدفعية واحد من 8 مدافع وذخيرتها، ولم يخدش مدفع واحد ولم يصب جندي واحد، ولا أنا ولا زميلي الضابط الآخر في الموقع. حمولة سرب كامل من الصواريخ وقنابل الألف رطل على مربض نيران مدفعية ميدان مصرية، عشرات الأطنان من الصواريخ والقنابل دون أي إصابة. أنا حتى الآن لا أصدق ذلك. لو أصابت قنبلة أو صاروخ واحد أكداس ذخيرتنا الغاطسة بجوار المدافع لتفجّر الموقع كله ولظلّ يتفجر عدة أيام، ولقتلنا مئات المرات ولتحولنا إلى فحم حجري ولما بقى لنا أي أثر ، ولما كنت قد لحقت بعصر النت لأحكى عن تلك الحرب. لقد كانت عناية الله. القاهر فوق عباده. سبحانه وتعالى.

لقد كان العدو اليهودي يضرب بعنف وببذخ !!
ولكنه كان مذعورا تماما.
فالأرض لم تكن أرضه.
قضيته زائفة.
ذخيرته مجانا من الولايات المتحدة وأوروبا.
قميصه الذي يرتديه وحذاءه سحت.
طعامه مغتصب.

كان خائفا جبانا رعديدا، مع أنه كان يملك السماء لحظتها. يضرب وهو مرتعد خائف على نفسه مع أنه يعرف أنه يضرب هدفا لا يستطيع أن يدفع عن نفسه ولا يتعامل مع طائرات ولا دبابات. ولكنه كان يخاف من الرشاشات والبنادق التي كنا نصوبها ونطلقها عليه.

اليهود أحرص الناس على الحياة الدنيا، إنهم يودون أن يعمّروا ألف سنة. وعلى هذه العقيدة وحب الحياة والحرص عليها أقاموا حصون بارليف. الحصون التي تعيش ألف سنة. اقرأ على مهل ما قاله ربنا وربهم ورب الكون عزّ وجلّ عن عدوك:

"قل إن كانت لكم الدار الآخرة عند الله خالصة من دون الناس فتمنّوْا الموت إن كنتم صادقين (94) ولن يتمنّوه أبدا بما قدمت أيديهم والله عليم بالظالمين (95) ولتجدنّهم أحرص الناس على حيواة ومن الذي أشركوا يودّ أحدهم لو يعمّر ألف سنة وما هو بمزحزحه من العذاب أن يعمّر والله بصير بما يعملون(96 ) "
البقرة

لماذا يخافون من الموت؟ أليسوا هم أبناء الله وأحبّاءه كما يزعمون؟ أليسوا هم شعب الله المختار؟ أليسوا هم من قالوا إن العزير ابن الله؟ إذن لماذا يخافون أن يموتوا ويقابلوا الله؟

في ذلك اليوم عندما مسحت حفرتي بقنبلة لجأت إلى حفرة ضابط زميلي في مربض النيران. لم نكن نلجأ إلى الحفر البرميلية خوفا من الموت. أبدا. كنا نحرص على أنفسنا لنستمر في قتال العدو. كان زميلي الضابط هذا برتبة ملازم أول. وكنت أنا نقيبا. زميلي هذا كان مدرس أول رياضيات في المدارس الثانوية. وكان نصرانيا.

عندما اشتدّت الغارة وتكاثرت علينا القنابل والصواريخ فضلا عن أصوات الطائرات الزاعقة وأصوات انفجار القنابل والصواريخ، في تلك المعمعة التفت إلىّ زميلي الضابط الملازم أول - وكنا في الحفرة ظهرا لظهر - قال لي:

"حازباشى محمد" (حازباشى هي دمج واختصار لكلمتي حضرة اليوزباشي – يوزباشي بالتركية تعنى نقيب بالعربية )

قلت له "نعم يا حضّابط فلان" (حضّابط هي دمج واختصار لكلمتي حضرة الضابط )
قال لي: "إيه رأيك؟ هل أنطق بالشهادتين؟"!
قلت له "انطق بهما والحق نفسك"! فنطق بهما!
وبعد أن هدأت غارة طيران العدو وانسحبت آخر طائرة دون أي خسائر، أحسست بحركة زميلي ذلك في الحفرة الضيقة فالتفتّ إليه فوجدته يأتي بحركات التثليث على منكبيه ورأسه!!!

كان هذا الملازم أول ( والمدرس أول) أكبر منى سنا. كانت عقيدته مزعزعة!!! لم تسعفه عقيدته في ساعة الموت وساعة الشدة، فلجأ إلى عقيد الفطرة التي فطر الله الناس عليها. وعندما انزاح الكرب رجع إلى العقيدة التي وجد عليها الآباء والأجداد.
إن من هؤلاء من دخل على العدو صائحا معنا: "الله أكبر"، وقتل. ربما مات على دين الإسلام. أكثرهم كانوا يقاتلون بنفس الشدة التي كنا نقاتل بها وبنفس الحماسة.

لم نكن نحن المسلمون نخشى الموت أبدا. لا ضابط ولا جندي. لا كبير ولا صغير. أنا شخصيا أيضا لم يرهبني الموت أبدا. ولكنني كنت أخاف من شيء واحد فقط طوال الحرب! كنت أخشى أن أموت منكشف العورة. كنت أخشى أن يصيبني قنبلة أو صاروخ أو طلقة أو شظية وأنا فى الخلاء أتغوّط! كنت أخشى من عضّة ثعبان أو عقرب وأنا في الخلاء مكشوف العورة فأموت على ذلك الوضع! لذلك كنت أقضى أياما طويلة لا أذهب الى الخلاء!! وعموما لم يكن أيضا هناك ما يلحّ علينا للذهاب الى الخلاء أنا أو غيري! خلاف ذلك فقد أنزل الله عزّ وجلّ السكينة والجسارة وعدم مهابة الموت. كنا نحب تلك الأيام، وطالما أحببنا تلك المواقف البالغة الصعوبة. كنّا في نزهة وكنا نروّح عن أنفسنا في تلك الحرب!! صدّق أو لا تصدّق. عندما أخرج نفسي من الكادر وأرى نفسي في تلك البانوراما الهائلة العظيمة الرهيبة أتمنى لو أعود إليها مرة أخرى. إنها كانت أحلى أيام عمري على الإطلاق!!!

أسوق لك هذا الموقف وهذه الذكرى من ذكريات الحرب لتعرف كيف أنّ الله تبارك وتعالى منّ علينا بنعمة الإسلام، دون فضل منّا. ولتعرف كم غيرك تعساء بغير الإسلام. لقد نعت الله تلك الأمة وقال لنا:

" كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله "

وقال الله تبارك وتعالى:

"ولتكن منكم أمة يأمرون بالمعروف وينهوْن عن المنكر وأولئك هم المفلحون"

ماذا فعلنا بكل ذلك؟ إذا لم نفعل كل ذلك فقطعا سوف نتساوى مع هؤلاء الذين يقولون نحن أبناء الله وأحباؤه ويعيثون في الأرض فسادا.

لقد وصف الله هذه الأمة بقوله تعالى:

"وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا"
يا لله ؟
أنحن لنا كل هذه المنزلة؟
شهداء على الناس؟
ماذا نحن فاعلون بتلك المنزلة التي أنزلها الله لنا؟ نخاف من عدوا هالك؟ نخاف من عدو لله؟ وهو الرعديد المزعزع العقيدة؟

يقول لنا يمين نستدير لليمين؟ ويقول شمال نستدير لليسار؟ يقول لنا للخلف در نستدير للخلف ونترك له الإمامة علينا؟ وهو التافه الفاسق النجس؟ كيف نطرح آيات الله جانبا وهو سبحانه الذي قال لنا:

" زين للذين كفروا الحياة الدنيا ويسخرون من الذين آمنوا والذين اتقوْا فوقهم يوم القيامة والله يرزق من يشاء بغير حساب"

ومع ذلك نجعلهم هم الذين فوقنا؟ نستحي لهم من منهجنا ومن عقيدتنا ومن تراثنا لأن كل ذلك لا يروق لهم؟

أي وسطية وأي شهادة على الناس نحن نستحقها؟

ارجع يا مسلم
ارجع
احمد ربّك على نعمة الإسلام
ولا تفرّط فيه
استقم كما أمرت
محمد هاشم عبد الباري

12 أغسطس 2010

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق